الإصلاح وصلاح الفرد والمجتمع
الاصلاح كلمة تستهوي القلوب وتتطلع اليها النفوس وهي تدعو الناس إلى تحقيقها والعيش في ظلها ولكن تطبيقها على الواقع العملي بحاجة إلى إرادة ومعاناة قد يتساقط ويتهاوى معها كثير من الطامحين والمدعين.
ولكن السؤال هنا.. ماهي حقيقة الاصلاح؟ وما هي موارد تحقيقه واستخداماته؟ ومن ينهض بالإصلاح؟ وما هي رؤية القرآن الحكيم للاصلاح والمصلحين؟ وما هي المعالم والمناهج؟
ان الصلاح فطرة الله وسنته في الحياة، وهو ضد الفساد الذي هو انحراف عن الفطرة والسنة الالهية، فالعمل الصالح هو السعي في اتجاه الفطرة الإلهية، وقد ضرب القرآن أمثلة كثيرة في هذا المجال.. وعندما نتلو آيات عن حقائق العمل الصالح، نزداد وعياً بآفاق هذه الكلمة القرآنية، ولكن نستضيء هنا بثلاث آيات قرآنية في استيضاح العمل الصالح.
1- إذا سعى المؤمن إلى الجهاد، فكلما يصيبه في الطريق من عطش أو تعب أو جوع، وكلما يصدر منه من حركة، وكلما يحصل من مواجهة مع العدو؛ كل أولئك يكتب له به عمل صالح، قال الله تعالى: "مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَسُولِ اللّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ".
وهكذا نعرف علائم العمل الصالح، وهي التالية:
ألف: أن يكون في سبيل الله.
باء: أن يستدعي حركة من الإنسان، لا ان يكون ساكناً.
جيم: أن يترك أثراً في الواقع.
2- والعمل الصالح هو الذي يرضاه الرب، كما جاء في الآية الكريمة: "فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ".
3- وقال الله سبحانه: "قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ".
والإيمان هو أصل كل فضيلة، وكل عمل صالح. والعمل الذي لا يصدر عن إيمان، لا يتقبل؛ بل ليس بعمل صالح، لأن النية (والهدف المبتغى من الفعل) جزء لا يتجزأ من العمل؛ إنها صبغته وروحه ومحتواه. كما أن العمل الصالح يفيض من الإيمان، كما الماء من النبع، والضوء من المصباح. وهكذا نستدل على الإيمان بالعمل الصالح، وعلى العمل الصالح بالإيمان. ولعله لذلك نجدهما يذكران معا في آيات الذكر الحكيم. ولعل هذا يهدينا إلى مدى انبعاث المؤمن إلى العمل الصالح بدافع إيمانه.
وهكذا يسعى المؤمن في سبيل زيادة ميزان حسناته، ولو بمقدار مثقال ذرة، لأنه ينفعه في يوم القيامة، يوم الفصل. ويزداد المؤمن شوقاً إلى الحسنات، كلما تليت عليه آيات الذكر التي فيها ثواب العمل الصالح، وعقبى العاملين صالحاً، وندم الذين فرّطوا في جنب الله فلم يعملوا صالحاً، والعمل الصالح يسير في اتجاهين متوازيين: على صعيد الفرد وعلى صعيد المجتمع..
فعلى صعيد الإصلاح الفردي تحدث القرآن عن ذلك بكل تفصيل لأن هدف الرسالات الإلهية هو اصلاح الإنسان وتربية هذا المخلوق الذي شملته العناية الإلهية منذ خلقته، فليس غريبا ان يبدأ الاصلاح بخصوص الإنسان كفرد وهي ميزة الرسالات الإلهية عن بقية المناهج البشرية، فالإنسان له قيمة أساس بنظر السماء ومن أجله خلق الله الكون وسخر له الشمس والقمر وكل شيء.
والإصلاح الفردي وفق النظرة القرآنية لا يمكن ان يتحقق الا إذا جاهد الفرد على القيام بالأمور التالية:
1- تصحيح المعتقدات الفكرية التي عادة ما يقتبسها الأفراد من مجتمعاتهم من دون التدبر والتأمل في صحتها أو سقمها.
2- إزالة الترسبات النفسية، والأخلاقيات الدنيئة من الأحقاد والضغائن والحسد والكبر والحرص.
3- إعطاء حقوق الآخرين وإصلاح أخطائه السابقة مع الناس.
4- بناء الفكر على رؤى عقائدية سماوية إبتداءً من الإيمان بوحدانية الله عزوجل ومرورا بالإيمان بالنبوة والإمامة وإنتهاءً بالمعاد والحساب في يوم القيامة كأصول دينية، وانتهاءً بالفروع والالتزامات الدينية.
5- إنشاء العلاقة الروحية مع الله عزوجل ومع نبيه والأئمة المعصومين، ويستطيع بناء هذه العلاقة بالتواصل في الأدعية والمناجاة واداء النوافل والاعمال المستحبة.
فإذا قام الفرد بهذه الإصلاحات الذاتية والتغيرات الأساسية نال الأجر العظيم من الله الكريم ورافقته السعادة الأبدية فلا خوف عليه ولن يكون من المحزونين.
أما على صعيد المجتمع فقد ركز القرآن الكريم على الاحترام المتبادل بين المسلمين واحترام حقوق الآخرين وعدم الاعتداء عليهم وجعلهم في مصاف واحد من الاخوة الإسلامية، كما صرح بذلك قرآننا الكريم "إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم".
ومن أجل المحافظة على سلامة المجتمع الإسلامي وتماسكه والحيلولة دون انهياره، أمر القرآن عبر إرشادات لقمان الحكيم بالوقوف أمامهم والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، "يابني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر وأصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور".. كما أمر القرآن بضرورة العناية بالأيتام وتربيتهم حتى لا يقعوا فريسة المجرمين "ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح"، كما دعا القرآن الكريم الى ضرورة الإصلاح في العلاقات الزوجية بمجرد ان يبرز هناك خلاف قد يؤدي إلى الإنفصال والشقاق "وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ان الله كان عليما خبيرا".
ولو تصفحنا كتاب الله المجيد لوجدنا ان المجتمعات البشرية على طول التاريخ كانت مصابة بإحدى الإنحرافات التالية:
1- الإنحراف الفكري والعقائدي، حيث سقطوا في عبادة الأوثان والأصنام والطواغيت وهي بمنزلة انحراف أغلب المجتمعات البشرية، وان أغلب الأنبياء والرسل كانت دعواتهم تتركز على نبذ عبادة الأوثان والأشخاص والتوجه إلى عبادة الله عزوجل.
2- الانحراف الأخلاقي، حيث انغمست بعض المجتمعات البشرية في الفساد والانحراف الأخلاقي كقوم لوط حيث كانوا يمارسون الشذوذ الجنسي.
3- الانحراف الاقتصادي، حيث شيوع الظلم والاستعباد والاعتداء على حقوق الاخرين.
هذه الانحرافات الفكرية والعقائدية والاقتصادية والأخلاقية في المجتمعات البشرية الغابرة التي ذكرها القرآن الكريم ليست مقتصرة على تلك المجتمعات الغابرة، وانما هي مستمرة مع الزمن وقد بين القرآن الكريم سبل معالجة هذه الانحرافات وطرقها.
والسؤال هنا.. كيف تتم عملية الاصلاح او بالاحرى توفير الضمانات من عدم الانحراف؟ الجواب بكل بساطة هو في تصدي رجال ربانيين يقومون بمهمة تنفيذ القوانين والدساتير المدونة على يد البشر، وإلا تبقى تلك القوانين حبراً على ورق.
وهنا تتضح أهمية دور (الإصلاح السياسي)، وهو قائم على ركيزتين أساسيتين:
1- إزالة الطواغيت والجبابرة من على وجه الأرض: "فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم".
2- إطاعة القادة الربانيين: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم".
يبقى هنا واجب المجتمعات البشرية التي تتطلع إلى الخلاص من براثن المفاسد والإنحرافات أن تلتزم بإطاعة القيادة الربانية في تطبيق الشريعة السماوية "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم".. فالإصلاح يرتكز على أمرين أساسين: البرنامج الإصلاحي الفلسفي والقانوني + الرجال المصلحين..
وبهذين الأمرين يتم الإصلاح في المجتمع وفق الرؤية القرآن الصائبة ومن دونهما فكل إصلاح يراد تحقيقه في المجتمع فهو إصلاح ناقص أبتر إن لم يكن في بعض الحالات يفسد أكثر مما يصلح.